أبي منصور الماتريدي
331
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل : عهد الله ما جرى على ألسن الرسل ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم ؛ وهو ما ذكر في آية أخرى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ . . . الآية [ آل عمران : 81 ] وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الآية [ آل عمران : 187 ] . وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ . العهد والميثاق واحد ، وسمي العهد ميثاقا ؛ لأنه يوثق المرء ، ويمنعه عن الاشتغال بغيره . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ الصلات التي أمر الله بها أن توصل على جهات ومراتب : أما ما بينه وبين المؤمنين : ألّا يحب لهم إلا ما يحب ولا يصحبهم إلا بما يحب هو أن يصحب ، وأما فيما بينه وبين محارمه : أن يؤوى ويحفظ الحقوق التي جعل الله لبعضهم « 1 » على بعض ؛ ولا يضيعها . وأما فيما بينه وبين الرسل : فهو أن من حقهم أن يوصل الإيمان بالنبيين جميعا ؛ والكتب كلها . هذا والله أعلم الصلة التي أمر الله أن يوصل بها . وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ إما في التقصير فيما أمر أن يوصل ، وإما بالتفريط في ذلك ، وترك الصلة . وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ . أي : شدة الحساب ؛ حين لم تنفعهم حسناتهم ؛ ولا يتجاوز عن شيء من سيئاتهم ؛ فذلك يسوءهم . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَالَّذِينَ صَبَرُوا قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبر : هو كف النفس وحبسها عما تهواه ؛ على ما تكره ويثقل عليها . ثم يحتمل كفها وحبسها عن الجذع في المصائب ، وعلى أداء ما افترض الله عليهم وأمرهم بها ، أو كفوا أنفسهم وحبسوها عن المعاصي ، يكون الصبر على الوجوه الثلاثة التي ذكرنا « 2 » . والله أعلم .
--> ( 1 ) في ب : بعضهم . ( 2 ) واعلم أن العبد قد يصبر لوجوه : إما أن يصبر ليقال : ما أصبره ! وما أشد قوته على تحمل النوائب ! وإما أن يصبر لئلا يعاب على الجزع . وإما أن يصبر لئلا تحصل شماتة الأعداء ، وإما أن يصبر لعلمه أن الجزع لا فائدة فيه . فإذا أتى بالصبر لأحد هذه الوجوه ، لم يكن داخلا في كمال النفس ، أما إذا صبر على البلاء لعلمه أن البلاء قسمة القاسم الحكيم العلام ، المنزه عن العبث والباطل ، والسفه وأن تلك القسمة مشتملة على حكمة بالغة ، ومصلحة راجحة ، ورضي بذلك ؛ لأنه لا اعتراض على -